• Wodhoo7 Translation

مجتمع بلا مدارس (الجزء الثّاني)

في هذا الجزء الأوّل سنترجم مقطعا من المحور الأوّل بعنوان: "لماذا يجب القطع مع المؤسّسة التعليميّة؟"


_____


يعرف الكثير من الطلاب، خاصّة أولئك الذين ينتمون إلى أسر متواضعة، بطريقة حدسيّة ما تقدّمه لهم المؤسّسة التعليميّة. فهي تعلّمهم الخلط بين طرق اكتساب المعرفة وموضوع التدريس. وبمجرد أن تمّ محو التمييز، فهم مستعدون لقبول منطق المدرسة: طالما ظلّوا تحت سلطتها، كانت النّتيجة أفضل أو حتى: "عملية المصعد الاجتماع" تؤدّي إلى النجاح! هذا ما "يُدرّس" للطالب في المدرسة. هذه هي الطريقة التي يتعلّم بها الخلط بين التدريس والتعلّم. لتصديق ذلك يرتكز التّعليم على الارتقاء من فصل إلى آخر، وهو ما يعني أنّ الشّهادة تعني الكفاءة، ومعرفة كيفيّة استخدام اللّغة تجعل من الممكن قول شيء جديد. خياله يخضع الآن لقواعد مدرسيّة وتحل مكانه فكرة قيمة الخدمة: إنّه يتخيّل، في الواقع، الرعاية اللازمة للصحة، ولن يرى أي علاج آخر غير العلاج الطبي؛ تحسين الحياة الاجتماعيّة سوف يمرّ من خلال الخدمات الاجتماعيّة؛ سوف يخلط بين الأمن الفردي وحماية الشرطة والجيش والأمن الوطني، الصراع اليومي من أجل البقاء والانتاجيّة. الصحّة والتعليم والكرامة الإنسانية والاستقلال. كل شيء ثم يعتمد على حسن سير عمل المؤسّسات التي تدّعي خدمة هذه الأغراض، ولا يمكن رؤية أي تحسين إلا من خلال تخصيص قروض إضافية للمستشفيات والمدارس وجميع المنظمات المهتمة.


أحاول أن أبيّن أن هذا الخلط استمر بين المؤسسات والقيم الإنسانية وكذلك مأسسة هذه القيم نحن تأخذنا في توجّه خطير. نحن نتّجه بلا هوادة نحو تلوّث الوسط البيئي والانفصاليّة الاجتماعيّة، ويكبّلنا الشعور بالعجز. وهذه هي الجوانب الثلاثة التي نجدها في تجربة الفقر في نسخته الحديثة، وكذلك في عملية التدهور وهي متسارعة بشكل عام. الاحتياجات ذات الطبيعة غير المادية تترجَمُ كإقبالٍ على السلع الاستهلاكية. هذا ما يجب أن نبيّنه: الصحة والتعليم والحرية الفردية والرفاهية لم تعد محدّدات لتعريف التوازن الاجتماعي أو النفسي أو نتاج الخدمات أو طرق التشغيل. من الواضح أنّ البحث يهدف إلى تحديد محتوى خيارات المستقبل للتوصية بقيم عميقة في المؤسسات. في مواجهة هذه الحركة، يصبح من الضروري البحث عن ظروف مختلفة للإنتاج. لذلك فقد حان الوقت لإجراء بحث شامل حول إمكانية استخدام التكنولوجيا لإنشاء مؤسسات تخدم التفاعلات الشخصية والإبداعية والمستقلة وتسمح بظهور القيم التي لا تخضع لقواعد التكنوقراط. نحن نحتاج إلى بحث يتعارض مع وجهات نظر مخططي المستقبل.


لغتنا اليوميّة، وتصوّراتنا عن العالم تكشف إلى أي مدى لم نعد نفصل بين طبيعة الإنسان وطبيعة المؤسسات الحديثة، وهذا يثير اشكاليّة جوهريّة أنوي إثارتها. للقيام بذلك، اخترت أخذ المدرسة كبراديغم. وبالتالي سأتعرّض، بشكل غير مباشر، للإدارات الأخرى والهيئات التمثيلية للدولة التي تمثّل المشكل. كالأسرة التي تعتبر النّواة الأساسيّة لمجتمع الاستهلاك أو الحزب والجيش والكنيسة ووسائل الإعلام والمعلومات. ويبدو لي أنّه يكفي تحليل محتوى برنامج المدرسة لأبيّن أنّ مجتمع بلا مدارس يعود بالفائدة على التعليم العامة، وكذلك الحياة الأسرية والسياسية والأمن والإيمان وسوف تستفيد العلاقات بين البشر من تجربة مماثلة. أود أن أبدأ هذه الدراسة بمحاولة فهم ماذا يمكن أن ينتج عن التخلّي عن المدرسة لمجتمع "متعلِّم" (قائم على المدارس). في هذا السياق، ستظهر بشكل أكثر وضوحًا الأسباب التي أدت إلى تركيزي على الجوانب الخمسة المحدّدة التي سأناقشها لاحقًا، والتي تتعلق جميعها بهذه المقاربة. يمكن القول أنّه في الوقت الحاضر ليس فقط التعليم ولكن الواقع الاجتماعي أيضا أصبح متمدرِساً. عندما يتعلق الأمر بتعليم الفقراء والأغنياء الخضوع للمدرسة، فانّ تكلفة العمليّة لا تكون متساوية بالنّسبة للجانبين. الاعتمادات المخصّصة لكل طالب من الضّواحي الثريّة في أي مدينة في الولايات المتحدة مقارنة بتلك المعتمدة لطالب من الأحياء الفقيرة يمكن أن تخضع للمقارنة (قد يكون أحيانًا أعلى بالنسبة للفقراء) الأغنياء والفقراء يثقون في المدارس والمستشفيات؛ حياتهم تتأثر بهم. تعكس رؤاهم للعالم هذه القناعة و يستمدون منها تعريف ما هو في نظرهم شرعي وما هو غير شرعي. الجميع اعتبر أن العناية بالنفس في معزل عن الآخرين هي عمل غير مسؤول، وأن تعليم المرء لنفسه أمر خطير.

(...)


اليوم في الولايات المتّحدة، يمكن أن يتوقع السود وحتى المتشردون الاستفادة من المساعدة الاجتماعية التي لم يكن من الممكن تصورها قبل جيلين وهو ما يبدو مفاجئًا، إن لم يكن مروّعاً، لمعظم المواطنين في العالم الثالث. على سبيل المثال، يمكن للأمريكيين الفقراء الاعتماد على تدخل الفرق المتخصّصة في إعادة القاصرين المتغيبين عن المدرسة أو في تدخّل الطبيب الذي سيجعلهم يحصلون على سرير مجاني في المستشفى الذي تصل تكلفته إلى ستين دولارًا في اليوم (ما يعادل ثلاثة أشهر من الدخل في مختلف بلدان العالم). لكن مثل هذه المساعدات تقوي فقط الاعتماد على المؤسسات. نحن بحاجة إلى الاعتناء بهم طوال الوقت، هم كذلك أقل وأقل قدرة على تنظيم حياتهم بناءً على تجاربهم و الموارد كجزء من مجتمعهم.

(...)


سواء كانت المدارس في مستوى متقارب أو حتى متساوية، هل من الممكن أن يغيّر ذلك حقيقة أنّه من غير المرجّح أن يتنافس طفل من خلفية محرومة في التعليم مع ذلك الذي يعيش في بيئة ميسورة الحال؟ على الرغم من أن كلاهما يبدآن دراستهما في نفس السنّ، وهو ما يعني أنّ كلاهما أخذ دورات متطابقة، تظلّ الحقيقة أن سيظل الأوّل محرومًا من معظم المزايا التعليمية التي يتمتع بها رفيقه ويتصرّف دون معرفة ذلك. هذا الأخير، في الواقع، سيستفيد من المحادثات والقراءات التي يجدها في بيئته العائليّة؛ فوعي المرء بشخصيته مختلف. وبالمثل، فإنّ أفقر الطلاب يأخذون بشكل عام يتأخّرون في هذا السباق لأنهم يعتمدون كليا على الجامعة للترقية الاجتماعيّة أو تحسين معارفهم.


0 تعليق